ابن تيمية

87

مجموعة الرسائل والمسائل

نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) الآية . ثم قول الخليل ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون إنكم أشركتم بالله ) الآية وهذه حجة الله التي أتاها إبراهيم على قومه بقوله : كيف أخاف ما عبدتموه من دون الله ؟ وهي المخلوقات المعبودة من دونه ، وعندهم ليست معبودة من دونه ، ومن لم يقم بحقها فلم يخف الله ، والرسل لم يخافوا الله . وقول الخليل ( إنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطاناً ) لم يصح عندهم فإنهم لم يشركوا بالله شيئاً إذ ليس ثم غيره حتى يشركوا به ، بل المعبود الذي عبدوه هو الله وأكثر ما فعلوه أنهم عبدوه في بعض المظاهر وليس في هذا أنهم جعلوا غيره شريكاً له في العبادة . وقوله ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) ورد في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ( لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) " فقد أخبر الله ورسوله أن الشرك ظلم عظيم ، وأن الأمن هو لمن آمن بالله ولم يخلط إيمانه بشرك ، وعلى زعم هؤلاء الملاحدة فإيمان الذين خلطوا إيمانهم بشرك هو الإيمان الكامل التام ، وهو إيمان المحقق العارف عندهم ، لأن من آمن بالله في جميع مظاهره وعبده في كل موجود هو أكمل ممن لم يؤمن بالأمر حيث لم يظهر ، ولم يعبده إلا من حيث لا يشهد ولا يعرف ( 1 ) وعندهم

--> ( 1 ) يعنون بهذا الإيمان بالغيب الذي هو أساس دين الله في القرآن وسائر الكتب الإلهية . وهذا عندهم أدنى وأنقص درجات الإيمان بل هو عندهم باطل ، إذ لا موجود عندهم غير هذه المظاهر ، فاكمل العبادة عبادتهم أو عبادة ما سمي الاله فيها كلها وهو هي ، ودون ذلك عبادته في بعضها كعبادة المسيح وغيره من البشر وعبادة العجل والأصنام فكلما كثرت المعبودات كانت العبادة أكمل ، ولا يسمى هذا شركا عندهم لأن هذه كلها وسائر الموجودات شيء واحد في نفسه متعدد في مظاهره